تفاصيل المقال
photo
2017-04-23
الشبكات الاجتماعية والقيم المحلية بين الثابت والمتغير

إعداد  رائد شرطة / حليمة عمر يوسف

إن ما اطلعت عليه عزيزي القارئ مما كتبه الكاتب في هذا المقال حقيقة عزف في الوتر الحساس للامة العربية والاسلامية لما ينتابه من المهددات التقنية في قيمها الدينية والثقافية خاصة في داخل المجتمع السوداني .غني عن القول إن ما نجدة في أيدنا من تطبيقات تكنولوجية بطبيعتها محايدة ، ولكن ما يعمل على بلورة نمط الاستخدام لها ثقافة المستخدم وبيئته التى يعيش فيها وحالته النفسية ، ونمط العلاقات الصراعية أو التعاونية التى يرتبط بها، والتى تلعب دور في التأثير على الإدراك ونمط التفكير ثم التأثير في السلوك سواء أكان سلوكا خيريا أو عدوانيا .
فالمجتمع السوداني لايخرج عن محيطه العربي والافريقي بل محيطه كواحدة من دول العالم الثالث متأثراً بالتهديد التقني على كل الاصعدة الاقتصادية والثقافية والسياسية ويكشف ذلك في حقيقة إن الانتشار الكثيف والسريع للتطبيقات التكنولوجية كانت أسرع من نمو البيئة الثقافية الملائمة لاستيعاب ذلك التطور ، فالمجتمعات التى تشهد حالة من التدرج في نموها التكنولوجي يكون على مستوى الإنتاج والاستهلاك بينما جاءت مجتمعاتنا مستهلكه وفقط ليس فقط للتكنولوجيا بل كذلك للسلع والخدمات .

تعد العلاقة بين الشبكات الاجتماعية والقيم علاقة متداخلة حيث يؤثر كل منهما في الأخر وعلى الرغم من إن الإعلام بطبعه قد يكون عاكسا للقيم المحلية الأصيلة فانه في حالات أخرى يكون هو الذي يملك الريادة في تغيير القيم ، وتبقى مسأله الحكم على القيم التي تتغير والاخرى التى لا تتغير أو تقع ضمن النسق العقيدى للجماعة متوقفا في الأخير على درجة تماسك النخبة ومستويات التعليم والثقافة داخل المجتمع ، وحالة رأس المال الثقافي أو الإعلامي وموقفة من قيم المجتمع .

مع حرية انتقال الأفكار والمعلومات والرموز ما بين الداخل والخارج ، وتبقى في المواجهة المؤسسات الأهلية المحلية ،ودرجة التعاطى الايجابى لها مع تلك الثورة المعرفية وقدرتها على تسويق قيمها وتطوير خطابها في ظل السيل الجارف من المعلومات والرموز من الخارج .

وبقيت مناعة المجتمعات من التأثير المتصاعد لذلك التيار متوقفا على إدراك القيادة السياسية والنخبة ومؤسسات المجتمع لمعطيات الثورة المعرفية الجديدة ، فأصبحت كلما امتلكت القدرة على التحديث والسرعة والاستجابة للتحديات كلما كان لها القدرة في حفظ الأمن الثقافي والسيطرة على المحاور الرئيسية للتوافق المجتمعي على الأقل .

وعلى النقيض في حالة العجز وفقدان الصلة بين حجم التغييرات على الأرض وملائمة السياسات المتبعة من الحكومات يحدث القطيعة الثقافية بين المواطن والمؤسسات ذاتها وتعزيز حالة الانعزال والغربة الثقافية وتدهور القيم المحلية وتراجعها في مقابل إدخال أنماط جديدة لا تعمل على استقرار المجتمع بل على تفككه بنيويا وقيميا ، وعجز المجتمع عن التوصل إلى بوصلة توجهه نحو الطريق الصحيح في ظل موجات العولمة الثقافية العاتية، والتى تعمل على الاستفادة الايجابية مع المعطيات الجديدة والتخلى عن القيم السلبية وتبني قيم جديدة ترتكز على الانفتاح والتسامح والإبداع والعمل وغيرها .

ومن ثم فانه يبقي الأثر الأكبر للشبكات الاجتماعية والإعلام البديل بشكل عام في المجتمعات التقليدية كبيرا نتيجة للضعف في الثقافة العامة، وحالة العجز في تطوير هيكل المجتمع على نحو يدافع عن القيم الأصيلة.ومن ثم يظهر التقليد في المأكل والملبس والمشرب والسلوكيات، حيث تلعب الثقافة دور الأكل في المعدة والتى إن فرغت منه بدأ صاحبها يبحث عن ملئ معدته بأي شيء للحفاظ على وجوده وفق ما يعتقد .

ولا شك فان الظروف الاقتصادية إلى جانب الظروف الاتصالية تؤثر كذلك على القيم حيث تشهد حالات الانتقال السياسي في المجتمع إلى تغير القيم نتيجة بروز ضحايا لعمليات التحول الاقتصادي والاجتماعي، والتى تظهر في تدهور حالة القيم داخل معينها وخزينها الأول إلا وهو الريف والذى شكل دوما خط الدفاع الأول للحفاظ على القيم داخل المدن ،ولكن ما اعترى الريف من تشوهات اقتصادية وتدهور حالة الزراعة دفع  إلى الهجرة سواء إلى الخارج أو إلى المدن الحضرية ،وهو ما ساهم بشكل لا يستهان به في هذا التدهور.

وقد تميز الريف بوجود مناعة تاريخية ضد اختراق القيم المحلية الأصلية ،والذي أصبح بعد تلك التطورات الراهنة معرضا لانتهاك قيمي وثقافي لم يسبق له مثيل في شراسته وأدواته، وذلك جراء هذا السيل الجارف من المعلومات التى تبث على مدار الثانية داخل المجتمع وذلك دون إن يكون هناك مواجهة مقابلة لا من حيث القدرة التكنولوجية أو من حيث درجات التملك من أدوات التسويق القيمي.

وذلك مع فقدان مؤسسات ثقافية واجتماعية مهمتها نتيجة لبروز جيل جديد تمرد على تلك المؤسسات من منطق أنها لم تعد هي مصدر الإلهام المعرفي والقيم بعد الانترنت ، ومن جهة أخرى تراجعت مؤسسات التنشئة الاجتماعية عن القيام بدورها ، وهو ما أدى إلى واقع انفصالها عن طموحات وقضايا الجيل الجديد، وفي مواجهة تحديات جديدة أمام بسط نفوذها ألقيمي والولائي على الفرد .

وأثرت التكنولوجيا في قضية تسليع القيم وبخاصة ذات الطبيعة الدينية أي اعتبار القيم سلع يتم الترويج لها والإنفاق على تبنيها من قبل اباطره من رجال الأعمال والإعلام ، حيث يتم الترويج للقيم الاستهلاكية للمزيد من تحقيق المكاسب لأصحاب رؤوس الأموال ودون النظر إلى السلام الاجتماعي والسياسات الاحتوائية لمعدلات الفقر والبطالة في المجتمع.

وبرزت إلى السطح قيم جديدة على المجتمع من أهم مفرداتها الكراهية والعنف المجتمعي واللفظي ،وأصبح الصراع الاجتماعي في حقيقته صراع قيمى ما بين ما يفرضه الواقع والمؤسسات التقليدية من قيم وما بين القيم الوافدة من الخارج ،وسواء أكانت من خارج النسق العقيدي للفرد أو من خارج الحدود الجغرافية للدولة، وما نشهده من تجاذبات عبر الشبكات الاجتماعية هو في الحقيقة كذلك انعكاس لحالة التردى الراهن في منظومة القيم ونتيجة لتراكمات عهود سابقة من سياسات تعليمية وثقافية ماضية .

وعلى الرغم من كون العلاقة متداخلة بين الشبكات الاجتماعية والقيم إلا إن واقع الحال يشير إلى التأثير السلبى لها على القيم وذلك بافتقادها عنصر المركزية في التوجيه وطغيان الفردية والعشوائية في نقل المعلومات والأفكار والقيم والرموز الثقافية.

وأصبحت تستخدم المضامين الثقافية في شحن الكراهية والعنف على النحو الذى يضر في النهاية كل مكونات المجتمع ، إى إن إقدام أى طرف على استخدام الشبكات الاجتماعية على نحو سلبى يؤثر في نشر القيم السلبية من جهة ويؤثر على خلخلة السلام الاجتماعى من جهة أخرى ويزيد من الاحتقان الاجتماعى والثقافي ويزيد من الهوة بين الفرقاء من جهة ثالثه .

ومن شأن طبيعة شبكات التواصل الاجتماعى إذا ما جرى استخدامها في مجتمع صحى إن تساهم في الحوار البناء والتعاضد الاجتماعي وتعزيز ثقافة التسامح إلى جانب تنمية رأس المال الاجتماعي والذى من شأنه إن يحول تلك العلاقات المتكونة عبر الشبكات الاجتماعية إلى حالة ايجابية يتم توظيفها في المجال الاقتصادي وتنمية الإبداع والابتكار.ولكن في الواقع حالت ثقافة مجتمعنا دون أن تتحول تلك الوسائل إلى ذلك النحو الايجابي اللهم إلا استثناءات قليلة بل تحول إلى أداة لبث الكراهية ونشر الشائعات وإدارة الخلافات الشخصية .

وأصبحت تستخدم الشبكات الاجتماعية في التأثير القيمى داخل المجتمع عبر بث حالة من الاغتراب الاجتماعي والتأثير السلبي على القيم الدينية أو قيم اجتماعية كقيم الأسرة والزواج والعائلة والجيرة، وأصبحت تستخدم  تلك المنصات في بث الكراهية والعنف ضد التنوع العرقي والمذهبي والدينى داخل المجتمع على الرغم من وجود تلك المكونات قبل ظهور الانترنت والشبكات الاجتماعية.

وظهرت أنماط جديدة من الجريمة داخل المجتمع تعكس حالة التغير في القيم كجرائم العنف المنظم والعنف المجتمعي والتحرش  الجنسى واستغلال الأطفال والأعمال المنافية للآداب العامة ، وحتى بروز توجهات قيمية جديدة لدى فئة محدودة كالدعوة للإلحاد أو اعتناق مذاهب دينية مختلفة أو جديدة أو التحلل التام من قيود المجتمع وذلك في مقابل استقطاب أخر تقوده قوى التطرف والإرهاب ونشر الكراهية والاقصائية  .
وعلى الرغم من إن تلك قد تكون حالات فردية إلا إن طبيعة التواصل الاجتماعي تجعل منها قضية كبرى نتيجة إلى التغطية الواسعة لها داخل الشبكات الاجتماعية ووجود آليات الإعجاب والمشاركة بما يعمل على زيادة تأثيرها ، وتحولها إلى مادة خبرية للصحف والفضائيات بما يعمل على اتساع نطاق التأثير من الانترنت إلى الشارع.

إن تنمية ثقافة الحوار والتسامح وحل الخلافات لمن الأهمية بمكان يجعلها هي أساس معالجة ما يعترى مجتمعنا من مشكلات، ويجب إن يتم الدفع بتيار مدني قوى عبر المنظمات الأهلية والمؤسسات الثقافية بالاهتمام بتنوير الشباب والمواطنين ورفع الوعي والمعرفة وتحديث دورها وأدواتها من اجل التأثير،ولا شك إن العامل الاقتصادي لا يمكن تجاهله وبخاصة إن الضغط المادي يؤثر نفسيا على المواطن وعلى الجماعة بشكل عام، ومن ثم فان العمل على تحسين الدخول والمستوى المعيشى جزء مهم في عملية الحد من تدهور القيم الاجتماعية ولا ينفصل ذلك عن أهمية مكافحة الفقر والبطالة وخاصة بين الشباب وهم الكتلة الحرجة داخل المجتمع وهم الأكثر استخداما لها والأكثر ناشطيه ومعاناة في نفس الوقت من ظروف الواقع المعاش.

إن عملية إنقاذ الفرد و المجتمع من تدمير القيم الاصيله عبر تلك الوسائط الإعلامية تتطلب التحرك على عدة مستويات للعمل على الحد من التأثيرات السلبية للإعلام والشبكات الاجتماعية، ويمثل الفرد منصة الانطلاق في تلك المواجهة، وركيزتها من خلال تعزيز ثقافته العامة ورفع مستويات التعاطى الثقافي للمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية ليكون لها الدور الحاضن للشباب وتساهم في  تنمية الفرد والمجتمع، وتشجيع روح التسامح والحوار والابتكار والإبداع، وذلك لان ثقافة المستخدم هي السبيل الوحيد للوقاية الذاتية من مخاطر الاستخدام السلبى للشبكات الاجتماعية كل ذلك وغيره من شأنه أن يوقف الضجيج بدون طحن وان يتم وضع حبات الزيتون والقمح بين فكى الرحى لتخرج دقيقا أو زيتا يستنفع به الفرد والمجتمع والدولة. وفي تقديرى أن على المجتمع المستنير والدولة العمل على توجيه وتوظيف سلاح التقنية وجه صحيحة حتى نصيب الهدف ونخرج بمجتمعاتنا الى بر الامان وذلك عن طريق التبيه لمخاطر الاستخدام السلبى والتقليد الاعمى لما يرد إلينا عبر الشبكات الاجتماعية

والله المستعان.

 

المصدر مجلة لغة العصر عدد ديسمبر 2016

كتب د.عادل عبد الصادق

خبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية مدير مشروع المركز العربي لأبحاث الفضاء الإلكتروني.